لأكثر من عقد من الزمان، انصبّ التركيز السياسي في قلب أميركا على تأثير العولمة على مدن كانت نابضة بالحياة. لكن رواية جديدة بدأت تظهر الآن: يُتوقع أن تصبح المناطق الداخلية للولايات المتحدة الأميركية مركزاً حيوياً لاقتصاد الذكاء الاصطناعي، حيث ستضم مساحات شاسعة من مراكز البيانات والخوادم التي تدعم ازدهار مناطق أخرى. إلا أن هذه الرواية تغفل جانباً أعمق.
من السهل إدراك سبب اكتسابها زخماً متزايداً. ففي أواخر عام 2024، ضمت منطقة البحيرات العظمى وحدها نحو 525 مركز بيانات، مع وجود خطط لإنشاء 224 مركزاً إضافياً حتى نهاية العقد. وتثير هذه المجمعات الضخمة تساؤلات سياسية مهمة حول استخدام الأراضي، والطلب على الطاقة، وعدد الوظائف المحلية التي توفرها فعلياً. وقد دعا السيناتور بيرني ساندرز (مستقل - فيرمونت) إلى وقف مؤقت لبنائها، واصفا انتشارها بأنه «توسع غير منظم».
لكن في الواقع، يبدو أن قلب أميركا مُهيأ للازدهار في اقتصاد الذكاء الاصطناعي الجديد. ويعود ذلك ليس فقط إلى مساحاته الشاسعة، بل أيضاً إلى روح المبادرة الحرة فيه ورأس ماله البشري - مجتمع قائم على القيم أصبح أكثر تعليماً في مجال التكنولوجيا، ويرغب في البقاء حيث تكلفة المعيشة معقولة.
ستُساهم مراكز البيانات في ذلك من خلال توفير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، لكن النجاح الحقيقي يتطلب استثمارات إضافية جارية بالفعل. فأنا واحد من كثيرين - من خبراء التكنولوجيا ورأس المال المغامر ورواد الأعمال ومطوري العقارات - الذين يستثمرون مليارات الدولارات في مدن في قلب أميركا مثل كولومبوس ودنفر وويتشيتا، لأن هذه المدن تُقدم ما لا تُقدمه المدن الساحلية، شيئاً أميركياً فريداً.
لديّ أيضاً تجربتي الخاصة التي تشكل رؤيتي لما يميز هذه المنطقة. فقد وصلتُ إلى الولايات المتحدة من روسيا كطالب دراسات عليا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، عندما تكفّلت جامعة ولاية أوهايو بتأشيرة دراستي. ذكّرتني مدينة كولومبوس بمسقط رأسي الروسي، أوفا - مدينة صناعية نابضة بالحياة - ولكن مع فارق جوهري: هنا تتم تنمية المواهب، لا إهدارها.
في النظام السوفييتي، كان يتم تعيين وظيفة وشقة لكل فرد. وكان الجميع يتقاضون راتباً متقارباً، حوالي 100 روبل شهرياً. وكان احتكاكنا الوحيد بريادة الأعمال هو السوق السوداء لمنتجات مثل السجائر مارلبورو والجينز.
لكن في ولاية أوهايو، اختبرت نظاماً رأسمالياً منطقياً. فقد كانت الحوافز مرتبطة بالمصلحة العامة، وكان الإبداع البشري موضع احتفاء.
كنتُ أنوي البقاء لثلاث سنوات، لكنني بقيتُ لفترة أطول بكثير. مع مرور الوقت، حصلتُ على الجنسية الأميركية، وقمتُ أنا وشريكي في العمل بتوظيف مواهب محلية من كولومبوس لإطلاق شركات برمجيات تُقدّر قيمتها اليوم بمليارات الدولارات.
تتكرر قصصٌ كقصتي اليوم بأشكالٍ لا حصر لها في أنحاء المنطقة، سواءً لرواد الأعمال الأميركيين أو الأجانب.
فبعد أن كان أصحاب الكفاءات العالية يشعرون بالحاجة إلى الانتقال إلى السواحل، باتت المدن الكبرى في قلب البلاد اليوم من بين المدن الرائدة في استقطاب المواهب. ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى جامعاتٍ مثل جامعة ولاية أوهايو وبرامج مثل مركز ابتكار البرمجيات التابع لها، حيث نعمل على بناء برنامج تعليمي تجريبي جديد يربط الطلاب بفرص العمل في قطاع التكنولوجيا أثناء دراستهم.
كما تُسهم السياسات الرشيدة في ذلك. فقد وضعت ولاية أوهايو، من جانبها، خصماً ضريبياً جديداً على أرباح رأس المال الاستثماري للسنة الضريبية 2026، بهدف رفع الاستثمارات السنوية في رأس المال الاستثماري إلى أكثر من ملياري دولار.
وتجعل تقنيات الذكاء الاصطناعي من الأسهل على المواهب البقاء في أماكنها. فلم يعد من الضروري أن تكون قريباً من وادي السيليكون للوصول إلى القدرة الحاسوبية أو المواهب البرمجية أو التمويل.
ومع تباطؤ هجرة العقول، تتسارع وتيرة استقطابها. ففي الفترة من يوليو 2024 إلى يونيو 2025، سجّل الغرب الأوسط صافي هجرة داخلية إيجابية لأول مرة في هذا العقد، وكان المنطقة الوحيدة في البلاد التي شهدت زيادة في عدد سكان جميع ولاياتها.
وتؤكد تجربتي الشخصية هذا الأمر. فبالشراكة مع رائد الأعمال في مجال البرمجيات، جيف شومان، أطلقتُ مؤخراً مشروعاً استثمارياً يهدف إلى استقطاب 100 شركة ذكاء اصطناعي من جميع أنحاء العالم إلى كولومبوس، وقد وجدنا إقبالاً يفوق توقعاتنا. إذ يرغب العديد من المؤسسين في الوصول إلى السوق الأميركية، لكنهم لا يستطيعون تحمّل تكاليف تأسيس شركات في نيويورك أو وادي السيليكون، أو أنهم يترددون بسبب ميولهم المناهضة للرأسمالية.
في الوقت نفسه، تُعدّ المناطق الداخلية للولايات المتحدة وجهةً جذابةً للتسويق، لأنها تعكس واقع أميركا. تخيّل دائرة نصف قطرها 100 ميل حول كولومبوس، وستجد فيها شريحةً واسعةً من الاقتصاد الوطني - من شركات التصنيع والخدمات، إلى الشركات العالمية والعائلية، مروراً بالعملاء في المدن والريف. إنّ استقطاب هؤلاء العملاء أهمّ بكثير من جذب العملاء الأوائل في عددٍ محدودٍ من الأسواق النخبوية.
أعتقد أن الدرس الذي تعلمته هنا مفيد لعصرنا: أن ثروة أميركا لا تكمن فقط في مواهبها، أو مدنها العالمية، أو أراضيها الشاسعة الصالحة للبناء. لكن ثروة أميركا تكمن في منح الناس من أي مكان القدرة على النجاح في أي مكان.
لهذا السبب أنا على ثقة بأن قلب أميركا ليس مجرد مكان لاستضافة «الخوادم»، إنه مكان يمكن فيه تحويل الإبداع البشري إلى شركات وجامعات ومدن مزدهرة. وإذا استثمرنا في نظام السوق الحرة بشكل صحيح، فإن الولايات المتحدة ستتمكن من توسيع ازدهار اقتصاد الذكاء الاصطناعي ليشمل الجميع، وسيصبح قلبها نموذجاً للعالم.
*رائد أعمال في مجال البرمجيات.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينيكيشن»


